ابن كثير

140

البداية والنهاية

منهما مال فأنفق المؤمن ماله في طاعة الله ومرضاته ابتغاء وجهه . وأما الكافر فإنه اتخذ له بساتين وهما الجنتان المذكورتان في الآية على الصفة والنعت المذكور . فيهما أعناب ونخيل تحف تلك الأعناب والزروع في ذلك والأنهار سارحة ههنا وههنا للسقي والتنزه ، وقد استوثقت فيهما الثمار ، واضطربت فيهما الأنهار ، وابتهجت الزروع والثمار وافتخر مالكهما على صاحبه المؤمن الفقير قائلا له : ( أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ) أي أوسع جنانا . ومراده : أنه خير منه ومعناه : ماذا أغنى عنك إنفاقك ما كنت تملكه في الوجه الذي صرفته فيه كان الأولى بك أن تفعل كما فعلت لتكون مثلي فافتخر على صاحبه : ( ودخل جنته وهو ظالم لنفسه ) أي وهو على غير طريقة مرضية قال : ( ما أظن أن تبيد هذه أبدا ) وذلك لما رأى من اتساع أرضها ، وكثرة مائها ، وحسن نبات أشجارها ولو قد بادت كل واحدة من هذه الأشجار لاستخلف مكانها أحسن منها وزروعها دارة لكثرة مياهها . ثم قال : ( وما أظن الساعة قائمة ) فوثق بزهرة الحياة الدنيا الفانية وكذب بوجود الآخرة الباقية الدائمة . ثم قال : ( ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ) أي ولئن كان ثم آخرة ومعاد فلأجدن هناك خيرا من هذا وذلك لأنه اغتر بدنياه ، واعتقد أن الله لم يعطه ذلك فيها . إلا لحبه له : وحظوته عنده كما قال العاص بن وائل فيما قص الله من خبره وخبر خباب بن الأرت في قوله : ( أفرأيت الذي كفر بآياتنا ) وقال : ( لأوتين مالا وولدا . أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا ) [ مريم : 78 ] وقال تعالى إخبارا عن الانسان إذا أنعم الله عليه ( ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ) [ فصلت : 5 ] قال الله تعالى : ( فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ ) [ فصلت : 50 ] وقال قارون : ( إنما أوتيته على علم عندي ) [ القصص : 78 ] أي لعلم الله بي أني أستحقه قال الله تعالى : ( أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) [ القصص : 78 ] وقد قدمنا الكلام على قصته في أثناء قصة موسى . وقال تعالى : ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون ) [ سبأ : 37 ] . وقال تعالى : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) [ المؤمنون : 55 ] . ولما اغتر هذا الجاهل بما خول به في الدنيا فجحد الآخرة وادعى أنها إن وجدت ليجدن عند ربه خيرا مما هو فيه ، وسمعه صاحبه يقول ذلك قال له : ( وهو يحاوره ) أي يجادله ( أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا ) [ الكهف : 37 ] أي أجحدت المعاد وأنت تعلم أن الله خلقك من تراب . ثم من نطفة ثم صورك أطوارا حتى صرت رجلا سويا سميعا بصيرا تعلم وتبطش وتفهم فكيف أنكرت المعاد والله قادر على البداءة ( لكنا هو الله ربي ) أي لكن أنا أقول بخلاف ما قلت